1
عندما خرج من باب المشرحة، استرد أنفاسه. أحس بانتعاش روحه، الهواء البارد الذي داعب أنفه ليصل إلى الرئتين أعاد لخلايا جسده الحياة، بعد أن ساهم في ارتفاع مستوى هرمون "الدوبامين" في الدم. الزحام، الذي كاد يخنقه قبل ساعة واحدة، أصبح مصدر ابتهاجه الآن. الطلاب يضحكون ويتعانقون، يلتقطون صورًا كثيرة، تحولت الصور بالنسبة إليهم، وبدون وعي، إلى شكل من أشكال المقاومة، مقاومة الزمن ومنغصاته. لقد كنا هنا. لقد مررنا واجتزنا كل هذا، ألا تصدقون؟ شاهدوا الصور. بسعادة منبعها القلب، كان يتنقل بين أصحابه ليودعهم، رغم أن الإجازة لن تتجاوز أسبوعين.
قبل ساعة من الآن، كان الزحام يشبه هذا الزحام، لكن الروح متغيرة. الملامح جامدة. الخوف والقلق يكادان يقفزان من العيون. اختفاء الشمس بعث في النفوس كآبةً فوق الكآبة الواقعة. الأسنان تصطك من فرط برودة صباحات يناير، والأيادي توشك على التخشب. فكر بأنه لن يتقن الإمساك بالقلم، مما سيزيد من تشتيته أثناء الامتحان. لكنه في لحظة خلاص مؤقت، نفض عن ذهنه كل الأفكار المؤرقة، وقال: «ليحدث ما يحدث، ليس بأول ولا آخر امتحان». ثم أمسك هاتفه ليستعلم عن الوقت. باقي ثلث ساعة على موعد الامتحان. يبدو له الزمن متجمدًا في حالته تلك. في الأيام الماضية، فقد القدرة على الإحساس بالزمن واستسلم للروتين المَفروض عليه. تتشابه الأيام وتمر في رتابة. ذات مرة استيقظ في الصباح واعتقد فعلًا أن الزمن قد توقف عن الحركة. ذاب. تلاشى. وفي أثناء انغماسه في المذاكرة سمع صوت الشيخ الطبلاوي قادمًا من الراديو الذي اعتادت جدته أن تفتحه على إذاعة القرآن الكريم. بعد أن فرغ الشيخ من القراءة ارتفع آذان صلاة الجمعة. شعر بأنه قد أخطأ، فالزمن ما زال يسيل، واليوم قد انقضى الأسبوع. إذًا، ثمة حياة في الخارج.
أخذ يتصفح "الفيس بوك". عندما سمع العاملة وهي تنادي عليهم: «يلّا»، لم يكن قد ارتدي معطفه الأبيض، فأسرع بارتدائه، وهمس: «يا رب، عديها على خير. طمعان في كرمك يا رب». شيءٌ في قرارة نفسه يخبره بأنه لا يستحق. وأن وجوده هنا، محض مصادفة، لم يكن له تدخل فيها. برغم أنه بذل كل ما يستطيع من جهد، يظل شعور التقصير والدونية مُسيطرًا عليه. يهمس لنفسه بأنه لا يملك قدرات عقلية فائقة كباقي زملائه، ولا حتى يبذل مجهودًا مساويًا لمجهودهم. عندما لقيه هشام عند بوابة الكلية منذ قليل، أخبره بأنه قلق، برغم أنه أمضى الليل يراجع للمرة الثانية، ولم ينم لحظة واحدة. قال له: «لا تقلق، خير». واندهش من قدرة هؤلاء عن التخلي عن النوم ليلة كاملة في سبيل المذاكرة. كان يتمنى أن يفعل مثلهم كي يحوز رضاه عن نفسه، ويشعر بالفخر عندما ينشر على حساب "الفيس بوك"، مقطعًا غنائيًا، لطلاب فرحين بنجاحهم، وهم يرددون: «كم سهرنا من ليالٍ للصباح لا ننم»، بدلًا من شعوره بالخزي والتصنع عندما ينشره. في الليلة السابقة، شرب فنجانين من القهوة، وقرر أن يسهر حتى الصباح. أنهى المراجعة الأولى، وتدرب على بعض الأسئلة، ثم شرع في المراجعة الثانية. عندما قلب الصفحة الثالثة من الكتاب، سأم. أحس بأنه يفعل شيئًا لا جدوى منه، فهو يحفظ هذه المعلومات بالفعل. وعند منتصف الليل نام.
2
دخل، مع باقي "الشيفت"، من الباب الخلفي للمشرحة، وشعر برعشة في ساقيه، لكنه أرغمهما على التحرك قبل أن ينال نصيبًا من زعيق الدكاترة. اجتاز الطرقة الطويلة، حتى وصل إلى أول مقعد، وآثر ألا يدخل القاعات. القاعة صغيرة، ستفاقم من شعور الحصار. سيظل في "شيفت" الطرقة. دار بعينيه على الجثث الموضوعة فوق المناضد. لم يحس تجاهها بأيّ نوع من المشاعر. كأنما مشاعره قد تبلدت من فرط ما اعتاد على معايشة هذه المشاهد. قبل أسبوعين، عندما دخل إحدى القاعات ليُراجع دروسه العملية، لم يجد أحدًا في القاعة، سوى ما يقرب من عشرين جمجمة، وبعض الجثث. لوهلة رجف قلبه، لكنه سرعان ما استعاد سكينته بعد أن تذكر أنه قضى شهورًا عديدة بين الجثث واعتاد الأمر. تفحص الرؤوس بعينيه، وجدها متباينة الأحجام. استطاع أن يميز بعضها من حيث الجنس، وأخرى من حيث العمر، وعجز عن تمييز أكثرها، لكنه فكر بعدم جدوى كل تلك الأشياء، ما التمييز الذي جلبه الجنس أو العمر لصاحبه؟ لا شيء. جميعهم ماتوا. ربما شعروا يومًا بوجودهم، وصارعوا من أجله. تمسكوا بحياتهم ودافعوا عن إرادتهم بكامل قوتهم. سعوا إلى الحب والامتلاك والحكم والنفوذ، والنهاية؟ ها هي رؤوسهم أمامه، تستعد لأن يُقلبها مئات الطلاب بين أيديهم، ويتفحصوا أدق تفاصيل أجزائها. وها هي أجسادهم، بعضها كامل وبعضها منقوص، ستعبث بها الأيادي دون أن يساورها الذنب، وقد تمتد إحداها لتنتزع بعض الأعصاب من أماكنها حتى لا يستطيع الدكتور أن يختبرهم فيها. كل هذه الأجساد كانت تقاوم صراعاتها الشخصية وتكابد من أجل إزاحة همومها، وفي النهاية مات أصحابها. بعضهم مات غرقًا، وبعضهم حرقًا، والبعض مات في حوادث الطرق غير الممهدة لسير الحيوانات. من الممكن أن يكون بعضهم مات على سرير مستشفى أو منزل، أو حتى على رصيف شارع كان مأواه. في البداية حظيت قلة منهم بميزة في موتهم. أُكرموا. دُفنوا. ظن الآخرون أنهم أقل حظًا، لأنهم تُركوا في ثلاجات المشرحة شهورًا عديدة فلم يتعرف عليهم أحد. سارع مسؤولو الكليات الطبية ليفوزوا بالهدية. جثث جديدة طازجة. لم يترك الزمن آثاره عليها بعد. انتقلوا إلى مشارح الكلية. ويومًا وراء يوم، تنضم إليهم جثة جديدة. استطاع عامل المشرحة التي ينقصها إمكانيات كثيرة لتؤهل طلابها للعمل الطبي، أن يتفق مع "التُربي" كي يُورّد له بعض الجثث نظير مبلغ مالي مُغرٍ، وقبل الأخير الصفقة كي يشتري لأولاده طقمًا جديدًا يلبسونه في المدرسة، لأن الحي أبقى من الميت، على حد قوله. تساوى الجميع في موتهم الآن وتحقق العدل الذي كانوا ينشدونه، وفضلًا على ذلك، لن يعودوا بحاجة إلى تحمّل همّ الصراع من أجل الحفاظ على إرادتهم ووجودهم. الموت يسلب الإرادة. كي تستمر عجلة الحياة في الدوران، لا بُدّ من سلب حرية ما. ولا بُدّ من موت أشياء كثيرة.
أفاق من شروده على صوت المعيدة الذي تردد صداه المزعج بين الجدران. "ستارت". صمتٌ مهيب. جال ببصره على "الموديل" الموضوع أمامه، يحاول أن يجد الشريط اللاصق الذي يحدد الجزء موضع السؤال. لا أثر لأي علامة. ذُهل. تشتت تركيزه. لا وقت أمامه كي يسأل المعيدة القريبة منه. أحس بخدرٍ يسري في ذراعه. "تشينچ". نظر إلى ورقته فوجدها ما زالت بيضاء لم تختلط بالحبر. لا وقت. أسرع بالانتقال إلى الطاولة التالية، وفي أثناء سيره إليها، لمح الشريط اللاصق على ظهر "الموديل". «فعلها الأوغاد أولاد الكلب». لكنه لم يكن متأكدًا من هم الأوغاد بالضبط، هل هم زملاؤه أصحاب "الشيفت" السابق، أم العمال والدكاترة الذين سهوا عن ملاحظة ذلك؟ كتب اسم العضلة بسرعة، ولم يسعفه الوقت للإجابة على الأسئلة المرتبطة بها.
جلس أمام العينة الثانية. نصف جسد مفتوح الصدر والرقبة. اعتصر ذهنه من أجل التعرف على الشيء الذي يخترقه دبوس. يشبه حبل قصير ورفيع. في الواقع لم يكن قصيرًا، وإنما الأوغاد أولاد الكلب، هم من قطعوه من قبل. وانتقامًا منهم، صمم الدكتور أن يختبرهم فيه. ولحظه العسر، تحمل نتيجة حماقتهم، فلم يستطع الإجابة. مع سماعه لكلمة "تشينچ" للمرة الثالثة، أحس بالوهن يعتري أعصاب وعضلات جسمه، لكنه تحامل، وأخذ يتنقل بين العينات التي تعرف عليها من أول نظرة. الشريان الأورطي. الثقبة العظمى في الجمجمة. عظمة العضد. استطاع الإجابة ببراعة على باقي الأسئلة، التي كان أكثرها يخص عينات العظم. لقد راجع هذه العينات جيدًا بالأمس على العظم المستكين في غرفته. كان يلهو به، ويحفظ تفاصيله بدقة.
3
بعد أن التقطوا الصور وتفرقوا، تجول مع هشام في الشوارع. أثناء عبورهم شارع النادي، انطلق هشام في السب واللعن، عندما وجد سيارات الشرطة تقطع الشارع جيئةً وذهابًا بين الفينة والأخرى. وعندما وصلوا لميدان الساعة، شاهدوا مدرعة متمركزة في وسط الميدان بالضبط. وصلوا مقهى الأحمدية. طلبوا كوبين من الشاي وجلسوا يأكلون ساندويتشات الطعمية والفول التي اشتروها. لم يهدأ انفعال هشام. «الثورة أصابتهم بالجنون. الشوارع ستضج بعربات الشرطة والجيش فقط لأن غدًا الذكرى الخامسة للثورة.. حتى الاحتفال أصبح جرمًا!». تضايق. حاول الابتعاد عن الكلام في هذا الموضوع منذ بداية سيرهم لكن هشام لم يسكت. «ثورة ثورة. وماذا بعد الثورة يا سيدي؟ الأجدر أن تقول مؤامرة. كذبة. نكسة. ماذا جنينا منها غير الخراب؟». «كعادتك ستظل غبيًا. لا أمل فيك». «يا هشام، بالعقل، ثورة تعني تغيير للأفضل، هل تغيرنا للأفضل؟ البلد كانت مستقرة. بها بعض المشاكل ككل بلاد ربنا، نهدمها من أجل المشاكل؟». «ألم أقل لك؟ ستظل غبيًا. من قال أن الثورات تحقق التغيير في غضون سنة أو خمس أو عشر سنوات؟ لم أرَ ثورة في العالم تنجح بمجرد القيام بها. إن الثورة خطوة في التغيير. المصيبة أن نتخلى عنها. أن يُجبرونا على التخلي عنها. لو لم يكن من أجل مستقبلنا وأولادنا. فعلى الأقل من أجل الوفاء لدماء شهدائنا». «شهداء شهداء. اللعنة على الشهداء يا سيدي. العيال البلطجية أصبحت دماؤهم مُقدسة. الدولة فيها قانون. والدولة قالت لهم يرجعوا بيوتهم. صمموا أن يكسروا القانون. موتهم نتيجة منطقية لتهورهم. والله ما جلبوا للبلد ولنا غير الخراب والفشل». «حمار. أغبى من الحمار». ترك هشام مقعده وذهب.
4
دخل غرفته. أزاح الكتب المكدسة فوق المكتب، ووضعها تحت سريره. أمسك الجمجمة. رماها إلى أعلى، وقبل أن يلتقطها، هوت على الأرض. «لم تنكسر». طمأن نفسه، ثم وضعها بجانب بقية عظام الجسم في شنطة بلاستيكية على المكتب. أغلق النافذة وأطفأ الأنوار، ثم ألقى بجسده على السرير. تصفح هاتفه. دخلت أمه. «يا ابني افتح النور. الظلام سيهلكك». «الظلام يجلب الهدوء يا ماما. النور يزعجني». يئست منه. خرجت.
الليلة، سينام دون الاضطرار إلى ضبط المنبه على موعد الاستيقاظ. نام. في لحظة بين الصحو والمنام، تلت سقوط الشنطة من على المكتب، دون أن يلمسها أحد، فتّح عينيه فزعًا، ولم يتحرك. استمر في التحديق في الظلام. تراءى له شيء يبادله التحديق. ضيّق حدقتي عينيه. رآه. وجه مطموس الملامح. لا أثر فيه لجلد ولا لحم. فرك عينيه. أعاد النظر. ما زال الوجه يبادله التحديق. ظن أنه في حلم، لكنه كان قادرًا على الإحساس بنفسه. «من؟». سمع صدى صوت خافت يتردد في الغرفة: «ألا تعرفني؟» «وكيف أعرفك؟ من أنت وكيف وصلت إلى هنا وماذا تريد؟». «اهدأ. اهدأ. أنا لا أريد شيئًا. في الماضي كنت أريد. الآن لا. أجدر بك أنت أن تريد. أما عن وصولي إلى هنا، فهذا الأمر ليس بيدي. كما ترى، ليس ليّ من يد أصلّا. جئت إلى هنا بيدك أنت». انكمش على نفسه، تداخلت أجزاؤه وأخذ جسمه شكل الجنين في الرحم. أحس بشيء يضغط على صدره، وصعد الصوت من أعماقه كالهمس: «لا أفهم. من أنت؟». «ضحيتك». بُهت. «أتعرف؟ لقد قُتلت من أجلك. من أجلي أولًا ثم من أجلك. من أجلنا. وأنت نسيت دمي. بالتأكيد هذه ليست المشكلة. كثيرون مثلك ساهموا في النسيان. لكنك تاجرت به. تعذبت من أجلك، وساهمتَ في تعذيبي بعد ذلك، أهناك مسخرة أفدح من تلك؟». صَمْتْ. «كان من الممكن أن أكون أنت. كان من حقي ذلك. لكنك سرقت مكاني. سرقت مكاني، ومتُّ من أجلك، وتاجرت بيّ. هلا عرفتني؟ إن الظلام لا يجلب السكون، بل العمى» «قل لي من أنت». «ضحيتك. قلت لك. لا تحاول الهروب. أنا ضحيتك. أو قل ضحاياك». «لماذا لا يُعكس حالنا؟ كان من المفترض أن يكون معكوسًا. أتعرف؟ ماتت أمي بسرطان الثدي. سيدات كثيرات تموت بالمرض نفسه. قضاء وقدر. لكن أمي لم تجد مالًا يساعدها على دخول المستشفى وتلقي العلاج. كانت تقف في طوابير طويلة أمام المستشفيات. ينتهي اليوم ولا تنتهي الطوابير. والدك، رئيس القسم، عندما قابلته أمي على سلم مستشفى الأورام، واستجدته أن يفعل شيئًا من أجلها، قال أن عليها الانتظار حتى يحين دورها. وهي قد انتظرت حتى ضجرت بالانتظار ووعود الأطباء. باعت الذهب من أجل أن يفتح أبي ورشة لإصلاح السيارات. وعائد الورشة بالكاد يكفي طعامنا وإيجار البيت. لم يستجب أحد لدعوات أبي بأن يُقرضه مالًا، خافوا ألا يتمكن من تسديده. ماذا يفعل؟ قل لي أنت، ماذا يفعل؟ سرق مبلغًا وجده في سيارة كان يُصلحها. صاحب السيارة رقيب جيش. يوم أن سرق أبي سرق سيارة رقيب جيش. بالطبع قُبض عليه وغيبته الزنازين. هذا ما كان ينتظرنا. عملت مكانه في الورشة، بجانب دراستي. لكن أمي ماتت بعد شهور قليلة. أوصتني في أيامها الأخيرة بأن أصبح طبيبًا، وأراعي الفقراء. وماتت أمي. هل تتصور أنني حصلت على مجموع يؤهلني للالتحاق بكلية الطب، مثلك تماما؟ لكنني لست مثلك. لم أكن مثلك يومًا ولن أكون. كنت أعول نفسي، لو دخلت كلية الطب لن أتمكن من الاستمرار في العمل بالورشة، أي أنني لن أجد طعامًا ولا مسكنًا، وبالتالي لن أكمل الدراسة بالطبع. يومها ذهبت إلى قبر أمي وبكيت كثيرًا، وطلبت منها أن تسامحني علي خذلاني لها. أنت ابن رئيس قسم، مكانك محفوظ يا ابن الأكابر. صدقني أنا لا أحقد عليك. لست بحاجة إلى الحقد. كل ما هنالك أنني أكرهك وأباك». «في صباح الجمعة، جاءت سيارة ميكروباص يستقلها مجموعة شباب. كان يقودها إسماعيل. شاب على باب الله مثلي. أراد نفخ الإطارات. سألته عن مقصدهم. قال إنهم ذاهبون للقاهرة، سيشاركون في المظاهرات. ألهب رده حماسي. أغلقت الورشة وركبت معهم. لم أكن مشغولًا بالسياسة ولو سألتني عن أسماء أعضاء الحكومة لن أستطيع الرد. لكنني كنت مخنوقًا من حالي وأود فعل أي شيء يصبغ على هذه الحياة معنى. طوال الطريق وأنا أسمع مناقشاتهم ولا أعي شيئًا منها. قال أحدهم أنه لا يعتقد أن هذا الاحتجاج يسير بشكل صحيح، والأولى من الاندفاع الأهوج، التخطيط لهذا الاندفاع. لاحظت أنهم تجنبوا الحديث معه. وصلنا لشارع سمعتهم يسمونه مصطفى محمود. صُدمت من أعداد الناس الموجودين. لم أتخيل أن تجتمع كل هذه الأعداد من أجل غرض ما، مهما ارتفعت قيمته. سارت المظاهرة في طريقها. رددت معهم الهتافات التي يرددونها: عيش. حرية. عدالة اجتماعية. كان الهتاف يخرج من أعماقي بصورة تلقائية. أنطق الكلمة حرفًا حرفًا: ع ي ش. أتلذذ بالأحرف. أريد أن أعيش. ع د ا ل ة ا ج ت م ا ع ي ة. عدالة تضمن ألا تموت سيدات أخريات يأسًا من الانتظار. أُلقيت علينا قنابل غاز. كر وفر. مواجهات. نتراجع أحيانًا وتتقدم الشرطة. نتقدم وتتراجع الشرطة. مناوشات انتهت بتقدم ملحوظ لنا. صرنا قرب مدخل ميدان التحرير. أذن العصر. اختلف المتظاهرون، أيقيمون الصلاة أم يواصلون التقدم؟ صلوا. بمجرد التسليم من الصلاة غمرتنا سيارة كبيرة بالماء. لحظات قليلة وانهمرت علينا قنابل الغاز، ثم طلقات الخرطوش. تقهقرنا. اشتدت المواجهات، وظهر الرصاص الحي، وجدت نفسي في الصفوف الأمامية. فجأةً، ثُقب صدري». «أمي دُفنت في مقابر الصدقة. وأنا أيضًا. خمنت ذلك لأننا لم نكن نملك مقبرة. تمدد جسدي تحت التراب وارتاح أخيرًا. لكن أصابع البشر عبثت بالموتى أيضًا، لأجد عظامي تتقلب بين أيدي الطلاب أمثالك. من المؤكد أن "التُربي" قد تلقى عائدًا محترمًا من عامل المشرحة نظير نبش قبري. لكن الأكثر يقينًا أن عامل المشرحة الذي سَلَّمك عظامي بعد ذلك، قد تلقى أكثر من "التُربي". مسخرة، أليس كذلك؟». «ألم تتساءل عن سر نقصان العظم الذي معك لضلعين؟ هما الضلعان اللذان تهشما بفعل الرصاصة. ولذلك أخطأتَ اليوم في السؤال المتعلق بالضلوع». «خائف؟ لا داعي لذلك. اهدأ. ليس ليّ من سلطة عليك. وما حدث، برغم ظلمه، لا يُغويني بالعودة من أجل الانتقام. لكن يجب أن تعلم، أن دماء الشهداء، لم تكن أبدًا سببًا في الفشل، بدليل، أنك بفضلها، قد اجتزتَ اليوم اختبارك».
5
قفز من على السرير. تحسس الحائط كي يستدل على أزرار الإضاءة، ضغط على جميعها، ولم تُضاء الغرفة.
